العيني
51
عمدة القاري
من شاب شيبة . . . الحديث ، لأنه لا يجوز أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قول متضاد ولا نسخ فتعين الجمع ، فمن غيره من الصحابة فمحمول على الأول ، ومن لم يغيره فعلى الثاني ، مع أن تغييره ندب لا فرض ، أو كان النهي نهي كراهة لا تحريم لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك ، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب ، والطحاوي ، رحمه الله مال إلى النسخ بحديث الباب ، وقال ابن العربي : وإنما نهى عن النتف دون الخضب لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها ، بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر ، ونقل عن أحمد أنه يجب ، وعنه يجب ولو مرة ، وعنه : لا أحب لأحد أن يترك الخضب ويتشبه بأهل الكتاب . النوع الثاني : فيما يصبغ به . واختلف فيه ، فالجمهور على أن الخضاب بالحمرة والصفرة دون السواد ، لما روي فيه من الأخبار المشتملة على الوعيد ، فروى عبد الكريم عن ابن جبير عن ابن عباس ، يرفعه يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة ، وروى المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من خضب بالسواد لم ينظر الله إليه ، وروى الطبراني عن جنادة عن أبي الدرداء يرفعه : من خضب بالسواد سوّد الله وجهه يوم القيامة ، وروى عن أنس يرفعه : غيروا ولا تغيروا بالسواد ، وذكر ابن أبي العاصم بأسانيد : إن حسناً وحسيناً رضي الله عنهما ، كانا يختضبان به ، أي : بالسواد ، وكذلك ابن شهاب ، وقال : أحبه إلينا أحلكه ، وكذلك شرحبيل بن السمط ، وقال عنبسة بن سعيد : إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت ، وأحبه إلينا أحلكه . وكان إسماعيل بن أبي عبد الله يخضب بالسواد ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد ، ويقول : هو تسكين للزوجة وأهيب للعدو ، وعن ابن أبي مليكة : أن عثمان كان يخضب به ، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يختضبون ، ومن التابعين : علي ابن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو بردة ، وروى ابن وهب عن مالك قال : لم أسمع في صبغ الشعر بالسواد نهياً معلوماً ، وغيره أحب إليّ ، وعن أحمد فيها روايتان ، وعن الشافعية أيضاً روايتان ، والمشهور يكره ، وقيل : يحرم ويتأكد المنع لمن دلس به ، وذكر الكلبي أن أول من صبغ بالسواد عبد المطلب بن هاشم ، قلت : هذا من العرب ، وأما أول من صبغ لحيته بالسواد ففرعون موسى عليه السلام ، وله حكاية ذكرناها في ( تاريخنا ) . 68 ( ( بابُ : الجَعْدِ ) ) أي : هذا باب في بيان الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبالدال المهملة ، وهو صفة للشعر وهو خلاف السبط ، وجه دخول هذا الباب في كتاب اللباس من حيث إنه تابع للباب السابق ، وقد مر بيان وجه دخوله ، فالتابع المطابق للشيء ماطبق لذلك الشيء . 5900 حدَّثنا إسْماعِيلُ قال : حدّثني مالِكُ بنُ أنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ أبي عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ أنَسَ بن مالِكٍ رضي الله عنه ، أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بالطَّوِيلِ البائِنِ ولا بالقَصِيرِ ولَيْسَ بالأبْيَض الأمْهَقِ ، ولَيْسَ بالآدَمِ ولاَ بالجَعْدِ القَطِطِ ولاَ بالسَّبْطِ ، بَعَثَهُ الله عَلَى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً ، فأقامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وبالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنينَ وتَوَفَّاهُ الله عَلَى رأْسِ سَتِّين سَنَةً وَلَيْسَ في رأسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضاءَ . ( انظر الحديث 3547 وطرفه ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( ولا بالجعد ) وإسماعيل هو ابن أبي أويس . والحديث قد مضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن بكير عن الليث عن خالد عن سعيد عن ربيعة ، ومضى الكلام فيه . ( والبائن ) المفرط المتجاوز حده ، والأمهق : هو الذي يضرب بياضه إلى الزرقة ، وقيل : هو الكريه البياض كلون الجص ، يعني : كان نير البياض ، والجعد : هو المنقبض الشعر كهيئة الحبش والزنج والقطط : شديد الجعودة ، والسبط بكسر الباء الموحدة وفتحها وسكونها : الذي يسترسل شعره ولا ينكسر فيه شيء لغلظه كشعر الهنود ، وبقية الكلام قد مرت عن قريب . 5901 حدَّثنا مالِكُ بنُ إسْماعِيلَ حدثنا إسْرَائِيلُ عَنْ أبي إسْحاقَ قال : سَمِعْتُ البَراءَ يَقُولُ :